الشنقيطي

454

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مباحة له ، فنعم بلذتها كما قال تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ محمد 15 ] ولا تحمل شاربها على أن يفعل إثما بخلاف خمر الدنيا ، فشاربها يأثم بشربها ويحمله السكر على الوقوع في المحرمات كالقتل والزنا والقذف . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من مخالفة خمر الآخرة لخمر الدنيا ، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) [ الصافات : 45 - 47 ] وقوله لا فِيها غَوْلٌ : أي ليس فيها غول يغتال العقول ، فيذهبها كخمر الدنيا . وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) : أي لا يسكرون ، وكقوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) [ الواقعة : 17 - 19 ] : وقوله لا يُصَدَّعُونَ أي لا يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها . وقد أوضحنا معنى هذه الآيات في صفة خمر الآخرة ، وبينا أنها مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا . وذكرنا الشواهد العربية في ذلك في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [ المائدة : 90 ] الآية : قوله تعالى : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) [ 24 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة يطوف عليهم غلمان جمع غلام ، أي خدم لهم ، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 53 ) [ الحجر : 53 ] . ولم يبين هنا ما يطوفون عليهم به ، وذكر هنا حسنهم بقوله كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) في أصدافه ، لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه ، وقيل : مكنون أي مخزون لنفاسته ، لأن النفيس هو الذي يحزن ويكن . وبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) [ الواقعة : 17 - 18 ] . وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين ، وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ [ الزخرف : 71 ] ، وقوله تعالى : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) [ الإنسان : 15 - 16 ] . والظاهر أن الفاعل المحذوف في قوله : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ في آية الزخرف والإنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة ، وذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) [ الإنسان : 19 ] .